حسين عطايا - كاتب وباحث سياسي 


ثمة أزمة حقيقية بدأت تنشأ بين حزب الله وأهالي الجنوب، نتيجة الممارسات التي تُعيدنا إلى زمنٍ غابر من المعاناة والممارسات الخارجة عن المنطق والعقل.  بعد أن أصبح الجنوب مسرحًا لعمليات عسكرية طالت أذيتها قرى وبلدات الجنوب المتاخمة لحدود فلسطين المحتلة، والتي طالها التدمير والتهجير والذي أجبر مواطنيها على النزوح خارج مناطق الصراع العسكري في إطار حرب المشاغلة التي يخوضها حزب الله منذ الثامن من أوكتوبر - تشرين الأول الماضي، جاءت مقاومة أهالي رميش لجر بلدتهم إلى آتون الصراع المدمر، وكأنها الضوء الذي يظهر في آخر النفق. نعم، رميش انتفضت لتحمي نفسها من الدمار والتهجير، الذي طال جيرانها من قرى وبلدات الجنوب اللبناني .
في الجنوب بدأت الأمور تتجه لمنحى آخر مختلف عن رغبات حزب الله ومحوره، وإن بقيت حتى اليوم تدور همسًا بين اللبنانيين الجنوبيين، فقد يأتي اليوم الذي تتصاعد فيه هذه الهمسات لتصبح صرخات مدوية، لأن معاناة الجنوبيين على مر أزمنة الصراع مع الكيان الإسرائيلي فاقت قدرة الجنوبيين على تحمل المعاناة، والتي أضحت كابوسًا يُلازم الجنوبيين على مدى عقود وصولاً إلى لحظة تأسيس الكيان الغاصب في فلسطين.  وفي كل الحروب التي دارت وتدور، لم يأتِ أحد ليسأل الجنوبيين رأيهم في الحرب وهل هم مستعدون لها ؟
وهل لديهم قدرة على تحمل نتائجها؟ كما لم يأتِ أي طرف يُريد إشعال فتيل الحرب ليقدم مستلزمات الصمود مما يخفف عنهم المعاناة، وفي كل الحروب التي  تدور رحاها في مناطق الجنوب المتاخمة للشريط الحدودي المحاذي لفلسطين المحتلة، يدفع الجنوبيين أثمانًا باهظة، بينما الأزلام والمحاسبون هم من يقبضون التعويضات ويستثمرون في مشاريع الحرب. ويبقى أهل الجنوب يدفعون من الدم الحي أثمان حروب الآخرين على أرضهم، نعم، حروب الآخرين، ومنها هذه الحرب، حرب إيران بواسطة حزب الله تجري على أرض جنوب لبنان بأدوات لبنانية بينما هي تنتمي لخارج حدود الوطن.
انتفض أهالي رميش على إرادة السلطان الجائر الذي يُريد لرميش أن تكون كجيرانها عيتا الشعب وعيترون وبليدا وميس الجبل وطيرحرفا والجبين والضهيرة ومروحين، بلدات مُدمرة أهلها نازحون يُعانون مصاعب التهجير والعوز والحاجة.
رميش من أكبر قرى وبلدات الجنوب المحاذية لحدود فلسطين، وفيها أكبر تجمع للبنانيين المسيحيين في جنوب لبنان، ولازال أهالي رميش بغالبيتهم يقيمون في بلدتهم يواجهون النزوح والتهجير لأنهم كباقي إخوانهم من اللبنانيين الجنوبيين صامدين في أرضهم، متشبثون في تراب وطنهم، يرفضون النزوح ويرفضون أن تكون  بلدتهم مقبرة لأهلها خدمة لأجندات خارجية واستعراضات بهلوانية لا تُقدم لحرب غزة شيئاً، بل جل ما يحدث أن يتم تدمير بلداتهم دون أي سبب قد يُفيد لبنان وفلسطين .
نعم أبناء رميش تصدوا لأعمال تخريب وتدمير بلدتهم كرمى لعيون إيران وسياساتها ومصالحها، هذا الأمر أزعج حزب الله ومقاومته فأراد لرميش أن يُصيبها التدمير كباقي قرى وبلدات الجنوب، فحاول أن يستغل الأمر وينصب صواريخه بين بيوت رميش وفي أحيائها، وهذا الأمر يستجلب قصفًا وردودًا إسرائيلية على مصادر النيران ، مما يُساهم في تدمير البلدة وتهجير أهلها قسرًا.

 

( الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع "Transparency News" )