وسيم أحمد جانبين


تتزايد الضربات الإسرائيلية في العمق اللبناني، متخطية الليطاني وما بعده، وصولاً إلى بعلبك مروراً بالاستهداف الأول من نوعه منذ بدء الحرب في غزة، والذي طال بلدة الصويرة في البقاع الغربي.
لماذا هذا الاستهداف ومن المسؤول، وما الغاية والأهداف من هذه العملية؟
علينا أولاً أن نعلم أن الصويرة هي بلدة سنية حدودية يبلغ عدد سكانها ما يفوق الـ  ١٠ الاف نسمة. وهي من أولى البلدات التي احتضنت النازحين السوريين منذ بدء الحرب في سوريا.
يتعايش سكان البلدة بوفاق داخلي يسوده سلام نسبي مع عائلة شيعية يبلغ عدد أفرادها ما يقارب الـ ١٠٠٠ نسمة، منذ تكوين هذه البلدة. ويقال أن هذه العائلة متواجدة منذ ما قبل تواجد الكثير من العائلات السنية، وتُعتبر من العائلات الثلاثة الكبرى ومن مؤسسي هذه البلدة.
السلام النسبي السائد في البلدة يخضع لتغييرات السياسة العامة في لبنان ولتغيرات المزاج الخاص لزعماء الطوائف، حيث يتغير الحال كباقي قرى وبلدات لبنان، ويتراوح من الأفضل إلى الأسوأ، ويتأرجح مع تغير حال المزاج في السياسة العامة.
لا وجود لتنظيم فعلي لحزب الله في البلدة، وضمن حدودها الجغرافية، ولا انتماء لعناصر مقاتلة منظمة ضمن عناصر الحزب المقاتل، ولكن هناك تغلغل لعناصر سرايا المقاومة، كباقي القرى اللبنانية، وهم منظمون تحت مسمى سرايا، وليس لديهم أي عمل قتالي فعلي على الأرض، أو في جبهات القتال. ولم يحصل مرة أن سُمع عن استشهاد أو جرح عنصر للسرايا خلال عملية ضد الاحتلال، أو في عملية داخل سوريا، إبان التدخل العسكري لحزب الله هناك، وبالتالي تكون البلدة بشكل عام، بيئة غير صالحة لما يُسمى بالبيئة الحاضنة للحزب أو مقاتليه. وعلى المقلب الآخر لا يرضى الحزب، بأن تكون بيئة سنية حاضنة له ولمقاوميه لاعتبارات عقائدية خاصة به وبتنظيمه المسلح.
هذا بالنسبة لتنظيم حزب الله. أما بالنسبة للتنظيمات الأخرى كالجماعة الإسلامية مثلا، فهي أيضا غير متواجدة في البلدة لا على صعيد شخصي ولا على صعيد تنظيم متعدد العناصر، وكذلك الأمر بالنسبة للتنظيمات الفلسطينية كحماس وفتح الذين ليس لهم وجود في البلدة لا على صعيد فردي ولا على صعيد تنظيمي. 
قد تحتضن منطقة البقاع الغربي عناصر منظمة بكميات صغيرة أو متوسطة، ومراكز فلسطينية معروفة المواقع، والتي تم استهدافها مرارًا من قبل العدو الإسرائيلي منذ الاجتياح وما بعده من حروب شنها العدو على لبنان، ولكن لا وجود لهذه التنظيمات في الصويرة لا من قريب ولا من بعيد، إذ أنّ الصويرة هي البلدة التي تُعدّ خزاناً للجيش اللبناني في البقاع الغربي، حيث يصل عدد المتطوعين فيها للجيش من أفرادٍ وعناصرٍ وضباط إلى حد الألفي متطوع، وهي بلدة حاضنة للجيش وداعمة له بالمرتبة الأولى.
أمس الأحد، استهدفت المسيرات الإسرائيلية سيارة رابيد تعود لأحد أصحاب المحلات التجارية من أهالي البلدة، وكان سائق الرابيد لحظة الاستهداف عامل اسمه محمود مصطفى رجب سوري الجنسية من مواليد المعضمية عام ١٩٨٦ متأهل وله أربعة أولاد يسكن في الصويرة منذ ١٠ سنوات. وقد لجأ مع عائلته من سوريا بعد الحصار الذي ضُرب على معضمية الشام إبان الحرب في سوريا، وهو يعمل كسائق لدى صاحب المحل التجاري، وكان يعمل قبل ذلك في قطاع البناء. 
استشهد محمود رجب متأثرا بجراحه، وشيع في جبانة البلدة وحمل على الأكتاف وترملت زوجته وتيتم أبناءه القصر الأربعة.
كان محمود رجب معروفًا أخلاقه الحميدة، ويشيد به صاحب الملك الذي يستضيف رجب وعائلته، وهو لا يتقاضى منه بدل أجار بل يستضيفه "عن روح أهلي" كما يقول صاحب المنزل.
صاحب المحل التجاري الذي أرسل محمود لشراء بعض المواد الغذائية المعلبة، وقناني الجلاب ضرورات الشهر الفضيل، يشيد برجب وبأمانته وبحسن خلقه، ويلوم نفسه بين الحين والآخر ويقول أن "خطيتو برقبتي أنا اللي أرسلته" وثم يعود ويقول "قدر الله وما شاء فعل."
فهل فعلا هو قدر الله علينا أن نعيش في لبنان حالة الرعب الدائم، وانعدام الأمن والأمان والتعرض للقتل العشوائي بسبب أن المسيرة أخطأت سيارة المستهدف الرئيسي، أو لم تخطئ. فقد تكون استهدفت الرابيد عن طريق الشك ومن يعلم؟ 
إنها إسرائيل التي تسرح وتمرح وتخترق الأجواء والأرض والاتصالات، وكل هذا يحصل رداً على اعتداء على حدودها الشمالية، والذي يتحمل مسؤوليته الأولى حزب الله وأذرعه في الجنوب اللبناني، حيث أراد الحزب أن يعلنها حربًا على إسرائيل، من دون سابق إنذار واتخذ صفة الدفاع عن غزة من لبنان وحده وحيدا يقرر ساعة الحرب ولا يعلم متى ساعة السلم، واضعًا اللبنانيين ولبنان من شرقه إلى غربه، ومن جنوبه إلى شماله بحالة التأهب الدائم، فاتحًا باب الرد على صواريخه على مصراعيه، في كل قرى وبلدات لبنان مخضعًا الشعب اللبناني بأجمعه لقواعد اشتباكه الخاصة، مطلقاً قواعد اشتباكه الوهمية، وما إلى ذلك من خطابات فيها الكثير من البطولة والمبالغة تضع حياة اللبنانيين على المحك.
اليوم، استشهد محمود الذي لا ناقة له بحرب إيران على الحدود اللبنانية، وهو الذي هرب من حرب إيران في الداخل السوري وهو الذي فقد نصف عائلته هناك. واليوم، الدولة اللبنانية بحكومتها ووزرائها عاجزون عن اتخاذ قرار يحسم جدلية "في حرب أو ما في حرب" ويعلنها رئيس حكومتنا العتيد بالفم الملآن، الذي أضحك الملايين لعدم قدرته على اتخاذ أي قرار، واليوم وبعد مرور أربعة أشهر و٢٥ يوما على حرب غزة، يستشهد المئات يوميًا في الداخل الفلسطيني، وحزب الله يحرر على مضض من الداخل اللبناني ضمن قواعد اشتباكه الخاصة به والمحددة ضوابطها من إيران، اليوم تسأل الصويرة السؤال الأهم، هل هو قدر اللبنانين أن يدفعوا ثمن حرب لا دخل لهم بها؟ 
حربٌ قد ترافقها الكثير من الأضرار والتدمير، وهل يجب على اللبنانين تحمُّل هذا العبء؟ 
هذا السؤال الحاسم يطرح نفسه في ظل الأوضاع الراهنة في لبنان. تعيش البلاد على وقع صراعات سياسية واقتصادية تجعلها عُرضة لخطر انهيار شامل. فإلى أي مدى ينبغي للمواطنين أن يستمروا في دفع ثمن حروبٍ لا صلة لهم بها إضافة إلى دفع ثمن الإنهيار الاقتصادي الذي كان سببه السلطة السياسية القائمة؟
هذه الحروب مستمرة بإشعال فتيل الانقسامات الاجتماعية والتناحر السياسي، فتجبر الناس على اختيار الانتماء إلى طوائفٍ وأحزاب، بدلاً من أن يكونوا موحدين تحت راية واحدة هي راية الجيش اللبناني والعلم اللبناني. 
هل يجب على اللبنانين أن يبقوا عالقين في هذا الصراع المستمر الذي يُفرِّق بينهم بدلاً من أن يوحدهم؟
في ظل هذا الواقع، يبدو أن حزب الله وإيران يلعبان دورًا مهمًا في سياسة البلاد وقراراتها. فهل يجب على اللبنانين أن يبقوا رهينة في يد هاتين الجهتين؟ هل هذا هو مصيرهم؟ هل ينبغي لهم الاستمرار في تحمُّل العواقب والتداعيات التي قد تنتج عن هذه الولاءات والانتماءات؟
ربما حان الوقت للنضج والتصالح تحت سقف القرارات الدولية والشرعية المتمثلة بشرعية سلاح الجيش اللبناني، لإيجاد حلول وسط تؤمن بالاستقرار والوحدة الوطنية. لبنان بحاجة ماسة إلى إعادة بناء مؤسساته وتعزيز وحدته الوطنية. إن كانت المصالح الجماعية تتطلب التضحية ببعض المصالح الفردية، فربما يكون ذلك هو الثمن الأصح الذي ينبغي دفعه من أجل بناء لبنان قوي سيادي ومستقر.
يتساءل أهالي بلدة الصويرة وأهالي كل لبنان.

( الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع "Transparency News" ).


المصدر : Transparency News